الشيخ عبد الله الصالحي النجف آبادي
143
موسوعة مكاتيب الأئمة
منه بما يؤول إليه ، فملّكه من ماله بعض ما أحبّ ووقفه على أمور عرّفها العبد ، فأمره أن يصرف ذلك المال فيها ، ونهاه عن أسباب لم يحبّها ، وتقدّم إليه أن يجتنبها ولا ينفق من ماله فيها ، والمال يتصرّف في أيّ الوجهين ، فصرف المال أحدهما في اتّباع أمر المولى ورضاه ، والآخر صرفه في اتّباع نهيه وسخطه ، وأسكنه دار اختبار أعلمه أنّه غير دائم له السكنى في الدار ، وأنّ له داراً غيرها وهو مخرجه إليها ، فيها ثواب وعقاب دائمان ، فإن أنفذ العبد المال الذي ملّكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنّه مخرجه إليها ، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود . وقد حدّ المولى في ذلك حدّاً معروفاً وهو المسكن الذي أسكنه في الدار الأولى ، فإذا بلغ الحدّ استبدل المولى بالمال وبالعبد على أنّه لم يزل مالكاً للمال والعبد في الأوقات كلّها ، إلاّ أنّه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الأولى إلى أن يستتمّ سكناه فيها فوفى له ، لأنّ من صفات المولى ، العدل والوفاء والنصفة ، والحكمة . أوليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب ، وتفضّل عليه بأن استعمله في دار فانية وأثابه على طاعته فيها نعيماً دائماً في دار باقية دائمة ؟ وإن صرف العبد المال الذي ملّكه مولاه أيّام سكناه تلك الدار الأولى في الوجه المنهيّ عنه ، وخالف أمر مولاه ، كذلك تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذّره إيّاها ، غير ظالم له لما تقدّم إليه وأعلمه وعرّفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده ، بذلك يوصف القادر القاهر . وأمّا المولى فهو اللّه جلّ وعزّ ، وأمّا العبد فهو ابن آدم المخلوق ، والمال قدرة اللّه الواسعة ، ومحنته إظهار [ ه ] الحكمة والقدرة ، والدار الفانية هي الدنيا ، وبعض المال الذي ملّكه مولاه هو الاستطاعة التي ملّك ابن آدم ، والأمور التي أمر اللّه بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتّباع الأنبياء ، والإقرار بما أوردوه عن اللّه عزّ وجلّ ، واجتناب الأسباب التي نهى عنها هي طرق إبليس ، وأمّا وعده فالنعيم الدائم وهي الجنّة ، وأمّا الدار الفانية فهي الدنيا ، وأمّا الدار الأخرى فهي الدار الباقية ، وهي الآخرة ، والقول بين الجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان ، والبلوى بالاستطاعة التي ملّك العبد .